إتحاف البررة في الكلام على بعض آيات الصيام من سورة البقرة_ خطبة_25 شعبان 1447هـ 2026-02-14 02:38:20
خطبة جمعة بعنوان:( إتحاف البررة في الكلام على بعض آيات الصيام من سورة البقرة).
سجلت بتاريخ ٢٥/ شعبان/ ١٤٤٧ هجرية.
إن الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ، ونستغفرُه ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ، ومن سيئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران : 102] .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًاكَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[ النساء : 1 ]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب : 70 ،71].
أما بعد : فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ} إلى أن قال ربنا عز وجل :{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} عظم ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات هذا الشهر المبارك وهو شهر رمضان، فبين سبحانه وتعالى أنه كتبه علينا ، فقال سبحانه وتعالى : كتب عليكم الصيام ، ولم يصرح سبحانه وتعالى باسمه لأنه معلوم غير مجهول ، فالله سبحانه وتعالى هو أعرف المعارف ولا يجهله أحد، فعظم الله سبحانه وتعالى علينا الصيام بأن سبحانه وتعالى هو الذي كتبه لنا وحده لا شريك له ، وفريضة جاءت من عند رب العالمين سبحانه وتعالى هي فريضة عظيمة، وبين الله سبحانه وتعالى حكمته في ذلك، وهي أن يحقق العبد تقوى الله عز وجل لعلكم تتقون، عظم الله عز وجل من شأن الصيام بأن فرض ذلك على جميع الأمم السابقة، فهي عبادة عظيمة، لعظمها فرضها الله سبحانه وتعالى على جميع الأمم السابقة، كما كتب على الذين من قبلكم، يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياما معدودات، ثم عظم الله سبحانه وتعالى من شأن شهر الصيام وهو رمضان، فقال سبحانه وتعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. فاختصه الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة لأنه شهر عظيم، اختصه الله عز وجل بعبادة الصيام لأنه شهر عظيم، هذا الشهر أنزل الله سبحانه وتعالى فيه القرآن الذي هو خير الكتب المنزلة، وهو أحسن الحديث، وهو أفضل الكلام، الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها، يقول سبحانه وتعالى في هذه الآيات المباركات : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام، كتب عليكم الصيام ولم يبين الله سبحانه وتعالى في مبدأ هذه الآيات مقدار الصيام، ما الذي كتب علينا الصيام ؟ هل كتب الله سبحانه وتعالى علينا صيام يوم ، أو صيام يومين ، أو أكثر من ذلك أو أقل ؟ قال : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام، ثم بعد ذلك بين سبحانه وتعالى أن هذا الصيام الذي كتبه ليس بالشيء الثقيل، وليس بالشيء الكثير ، قال : أياما معدودات، إذا ليس صيام يوم واحد ، وإنما هي أيام معدودات يتمكن العبد من عدها بكل سهولة وبكل يسر ، وهذا من رحمة الله عز وجل ، ومن تيسيره ومن إرادته لليسر لهذه الأمة ، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، فهي أيام معدودات ، لم يفرض الله سبحانه وتعالى علينا أن نصوم الدهر ، ولو افترض علينا ذلك لوجب علينا ولكانت عبادة يسيرة في مقام الله عز وجل ، فشأن الله عظيم ، وحق الله أعظم من ذلك ، وإنما هي رحمة الله عز وجل بالعباد ، إذ خفف عنهم العبادات، لم يفرض الله عز وجل علينا أن نصوم الدهر ، ولم يفرض الله عز وجل علينا أن نصوم أكثر العام ، ولم يفرض الله سبحانه وتعالى أن نصوم نصف العام ، وإنما افترض الله سبحانه وتعالى علينا صيام شهر من اثني عشر شهرا ، وهذه رحمة من الله عز وجل وتيسير من رب العالمين سبحانه وتعالى، فقال سبحانه وتعالى : أياما معدودات، فهن قلائل ، أيام قلائل، ثم تدرج الله سبحانه وتعالى بالبيان ، فقال عز وجل : شهر رمضان، ابتدأ الله عز وجل ذلك بقوله : كتب عليكم الصيام ولم يبين مقدار ذلك، ثم انتقل وبين أن ذلك الصيام المكتوب أيام قلائل ، وهي أيام معدودات ، ثم فصل ربنا سبحانه وتعالى فبين تلك الأيام المعدودات ما مقدارها ، فقال عز وجل : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه، شهر رمضان ، أي الأيام المعدودات هي شهر رمضان ، أو الصيام الذي كتبه الله سبحانه وتعالى لنا هو شهر رمضان ، أي المكتوب عليكم شهر رمضان ، أو هي الأيام المعدودات شهر رمضان، فبين الله عز وجل ذلك وأوضح، فافترض الله عز وجل على العباد صيام شهر من أشهر السنة وهو خير الأشهر وأفضل الأشهر ، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه، فعلينا أن نوطن أنفسنا لصيام هذا الشهر الذي قد اقترب منا، ما بقي إلا أيام قلائل ، نحن في الخامس والعشرين من شعبان ، وما بقيت إلا أيام قلائل ، فمن أطال الله في عمره ووافقه الله سبحانه وتعالى لصيامه وقيامه إيمانا واحتسابا فقد أراد الله سبحانه وتعالى له الخير ، وهو العبد الموفق بتوفيق الله عز وجل .
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته ، وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين ، إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية:
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه وسلم ، أما بعد : يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم :{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} فهذا الشهر الذي افترضه الله سبحانه وتعالى علينا هو شهر رمضان الذي فضله الله عز وجل بإنزل القرآن فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان كما جاء في حديث واثلة في مسند الإمام أحمد قال عليه الصلاة والسلام : أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان ، وأنزل الفرقان الذي هو القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان، والله عز وجل أنزل القرآن في ليلة القدر ، في الليلة المباركة ، {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)}[القدر:1،2].
قال:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} والليلة المباركة هي ليلة القدر .
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} فأنزل الله سبحانه وتعالى القرآن هداية للناس ، هداية لجميع الناس ، لكن لا ينتفع به إلا من طلب الهداية منه، كما أن الله سبحانه وتعالى يقول في شأن العسل : {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ } فيه شفاء للناس لكن المراد من انتفع به ، لا من أعراض عنه، فمن سعى إلى العسل وانتفع به وسعى في التداوي به فهذا الذي يحصل له الشفاء بإذن الله عز وجل ، ومن أعراض عن التداوي به فإنه لا يحصل له الشفاء، وهكذا القرآن هو هدى للناس في حق من اهتدى به ، من اهتدى به لا في حق من أعراض عنه، من أعراض عنه فهو عليه عمى والعياذ بالله{هُدًى لِلنَّاسِ} في جميع أمورهم ،{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} في كل شيء، هدى للناس في صلواتهم ، وفي حجهم ، وفي عباداتهم لله عز وجل ، وهو هدى للناس في صلة أرحامهم ، وفي برهم للوالدين ، وفي غير ذلك من محاسن الأخلاق كالإحسان إلى الجار ، والصبر على الأذى ، وبذل الندى والمعروف ، والإحسان إلى الخلق، فهو هداية إلى كل خير ، وهو يهدي إلى الصراط المستقيم ، إلى الطريق الموصل إلى مرضاة الله عز وجل ، الموصل إلى جنات النعيم، ومن هداية القرآن أنه هدى إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، هدى إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، ومن لم يهتد بالقرآن إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام فليس القرآن بهداية له، قال الله عز وجل في كتابه الكريم :{ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا} وقال الله عز وجل :{ لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} فهدانا القرآن إلى الأخذ بالسنة ، وإلى اتباع النبي عليه الصلاة والسلام والاهتداء بهديه في كل أمورنا ، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا} قال سبحانه وتعالى :{ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} ففيه الهداية الواضحة التي ليس فيها لبس ، فيه بينات الهدى والبينات الأشياء الواضحة، فهداية القرآن أعظم هداية ، فإنها هداية بينة ظاهرة ليس فيها لبس ،{ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} فمن لم يؤمن بالقرآن فلن يؤمن بغيره من الحديث ، ومن لم يهتد بكتاب الله عز وجل فلن يهدى بغيره، فهداية القرآن هي الهداية الظاهرة البينة . قال سبحانه وتعالى : {هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} فرق الله عز وجل بالقرآن بين الحق والباطل ، فرق الله عز وجل في القرآن بين الشرك والتوحيد ، وبين الحق والباطل ، وبين السنة والبدعة ، وبين الهدى والضلال، فمن أراد الفرقان فعليه بكتاب الله عز وجل {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ } أي شهر رمضان ،{ فَلْيَصُمْهُ } أوجب الله سبحانه وتعالى علينا ذلك، {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} ، أي كان شاهدا ، أي حاضرا ، ولم يكن مسافرا، فهناك من هو حاضر مقيم وقد دخل عليه الشهر ، فهذا الذي يجب عليه أن يصوم، وأما من لم يكن شاهدا حاضرا وإنما كان مسافرا فله أن يفطر وأن يقضي عدة من أيام أخر، فلهذا قال الله عز وجل :{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} شهر رمضان عبادة عظيمة ، فليحرص العبد على الإخلاص فيها لله عز وجل ، وليوطن نفسه ، وليدع ربَّه عز وجل إلى أن يوفقه لصيامه وقيامه، في المسند من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلين من قضاعة أسلما فاستشهد أحدهما وبقي الآخر بعده سنة ثم مات، فرأى طلحة بن عبيد الله في المنام الجنة ، ورأى الذي تأخر موته عن الشهيد إلى سنة أنه دخل الجنة قبل أخيه فتعجب من ذلك طلحة رضي الله عنه ، كيف يتأخر الشهيد من دخول الجنة والذي مات على فراشه بعد سنة دخل الجنة قبل من مات شهيدا في سبيل الله عز وجل فقص ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : أليس قد صام بعده رمضان وصلى كذا وكذا ركعة لله عز وجل، أي وفقه الله عز وجل لأعمال عظيمة بعد أخيه وإن لم يمت شهيدا في سبيل الله عز وجل، فقد بقي بعد أخيه سنة ، وفي تلك السنة صام شهر رمضان ، وفي تلك السنة ركع كذا وكذا لله عز وجل من فرض ومن نفل ، ركع الركعات الكثيرة لله عز وجل ، فلا عجب أن يدخل الجنة قبل أخيه ، فعبادة الصيام وعبادة الصلاة عبادة عظيمة ، عبادة عظيمة فليحرص العبد عليهما وعلى غيرهما من العبادات ، ولا سيما الفرائض والواجبات يجب على العبد أن يحافظ عليها ويستمر على ذلك حتى يلقى ربه عز وجل ، والعمر قصير .
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته ، إنه هو الغفور الرحيم، اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم وفقنا لصيام شهر رمضان إيمانا واحتسابا ، ووافقنا لقيامه إيمانا واحتسابا ، ووافقنا لقيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، اللهم اجعلنا فيه من المرحومين المقبولين، اللهم اجعلنا فيه من المرحومين المقبولين، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها ، دقها وجلها وأولها وآخرها وعلانيتها وسرها، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم عافنا واعف عنا ، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، والحمد لله رب العالمين .
أبو عبد الله زياد المليكي