الرئيسية / الخطب والمحاضرات/ الخطب /فيضان الأنهار في بيان سوء عاقبة من حارب الواحد القهار- خطبة الجمعة- 7 جمادى الآخرة 1447هـ
فيضان الأنهار في بيان سوء عاقبة من حارب الواحد القهار- خطبة الجمعة- 7 جمادى الآخرة 1447هـ 2025-11-29 12:42:26


خطبة جمعة بعنوان فيضان الأنهار في بيان سوء عاقبة من حارب الواحد القهار 



لشيخنا المبارك أبي بكر الحمادي حفظه الله ورعاه 


سجلت بتاريخ ٧جمادى الثاني ١٤٤٧ه‍


إن الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ، ونستغفرُه ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ، ومن سيئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه .


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران : 102] .


{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًاكَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[ النساء : 1 ]


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب : 70 ،71].


أما بعد :  فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.


يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن نبيه يوسف عليه الصلاة والسلام أنه قال:{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)}[يوسف:39]

فالله سبحانه وتعالى هو الواحد القهار،{أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ } إلى أن قال:{قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)}[الرعد:16].


وقال سبحانه :{قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ ۖ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65)}[ص:65].

وقال سبحانه وتعالى:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)}[إبراهيم:48]

فالله سبحانه وتعالى هو الواحد وهو القهار، ولا يكون قهارًا إلا إذا كان واحدًا، فإن القهار هو المنفرد بالقهر والغلبة، وهذا لا يكون إلا لواحد وهو رب العالمين سبحانه وتعالى، فالله هو الواحد القهار ولا غالب له وحده لا شريك له،{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ } وهناك من عباد الله عز وجل من يبارز ربه بالمحاربة، وما علم أن ربه هو الواحد القهار، يبارز رب العالمين سبحانه وتعالى بالمحاربة وهذا هو الجهل العظيم، وهذا هو غاية الحمق والسفه، من تواجه.

تواجه رب العالمين سبحانه وتعالى الذي خلقك، الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، أنت فقيرٌ إليه في جميع أمورك، وفي جميع حالاتك،{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)}[فاطر:15].

نفسك نعمة من نعم الله عز وجل، إن شاء سلبها منك، بصرك نعمة من الله عز وجل إن شاء أخذ ذلك منك، أنت تتقلب في ليلك وفي نهارك في نعم الله عز وجل، وما بكم من نعمة فمن الله، فجميع النعم التي أنت فيها هي من الله سبحانه وتعالى، أنت ضعيف فكيف تريد أن تتقوى على رب العالمين سبحانه وتعالى، وأن تسعى في محاربته، {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (77)}[يس:77].

يخاصم رب العالمين سبحانه وتعالى، ويتكبر على ربه، ويتعالى على ربه عز وجل، والله خلقه من ماء مهين، خلقه من نطفة، فهذا هو غاية الحمق والسفه أن يتكبر العبد على ربه سبحانه وتعالى، وأن يتعالى عليه وأن يسعى في محاربة ربه عز وجل، ومن حارب ربه سبحانه وتعالى فهو الخسران، قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، وكيف يحارب العبد ربه عز وجل؟ يحارب العبد ربه بمعاصيه، ومن ذلك أكل الربا، أكل الربا محاربة لله عز وجل، ومن أكل الربا فقد آذنه ربه بالمحاربة، قال سبحانه وتعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)}[البقرة:278،279].

المرابي محارب لربه عز وجل، والله يحاربه، وإذا حاربك ربك فإنك خاسر، خسرت الدنيا والآخرة والعياذ بالله، فنادى الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتقوه فقال:{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، أنتم مؤمنون ذروا ما بقي من الربا، أي اتركوا ذلك، وابتعدوا عن ذلك، ودعوا الربا دعوا كثيره وقليله إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله.

قال الله:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)}[البقرة:275،276].

إياك إياك أن تتجه إلى معاملةٍ ربوية، فيحاربك ربك عز وجل في صحتك، يحاربك في مالك، يحاربك في جميع أمورك، فلا تنال إلا الخسارة في صحتك، لا تنال إلا الخسارة في مالك، وفي ولدك، وفي أهلك، فأنت تحارب رب العالمين سبحانه وتعالى، يمحق الله الربا، الربا ممحوق ليس فيه بركة، عند ابن ماجة من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ما أكثر عبدٌ من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة، والمرابي يريد الزيادة، ويريد أن ينمي ماله، فيعاقبه رب العالمين سبحانه وتعالى بالنقصان، كم من نكبات حصلت لتجار يتعاملون بالربا فانتقلوا من الغنى إلى الفقر والعياذ بالله، كم من مصائب نزلت بأُناس يتعاملون بالربا فذهبت أموالهم في أشياء كثيرة إما بأمراضٍ شديدة أنفقوا أموالهم للعلاج يعالجون أنفسهم، أو يعالجون أولادهم، فذهبت أموالهم الربا ممحوق ليس فيه خير، وليس فيه بركة، فليتق العبد ربَّه، الربا من أسباب دخول النار، في صحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال اجتنبوا السبع المُوبِقات أي المُهلِكات، وذكر منهن أكل الربا، فأكل الربا مُوبِق مُهلِك، يوقع العبد في نار جهنم والعياذ بالله، وكثيرٌ من الناس لا يعرفون الربا إلا في الزيادة، والربا لا يختص بالزيادة، الربا يكون في النسيئة ويكون في الزيادة، وفي حديث أسامة بن زيد في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام:" إنما الربا في النسيئة. والنسيئة بمعنى التأخير، لا تصارف إلى أجل، لا تصارف عملة بعملة إلى أجل، وهكذا لا تصارف عملةً واحدة إلى أجل، لا تصرف ألفًا بأقل منها إلى أجل، ولا تصرف عملة بعملة إلى أجل، فإن هذا هو النسيئة وهذا هو الربا، إنما الربا في النسيئة، وإن لم تكن هناك زيادة، فلا يشترط في الربا الزيادة، ربا الزيادة هو ربا الفضل، وهناك ربا هو ربا النسيئة، وهو من أشد الربا ومن أغلظه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام، إنما الربا في النسيئة، لا تشتري ذهباً إلى أجل، كما يفعل كثير من الجاهلين، يذهب إلى تاجر الذهب ويشتري ذهباً ويدفع المال تقسيطاً أو يؤجل جميع المال إلى وقتٍ معين أو يؤجل بعضه إلى وقتٍ آخر فإن هذا هو الربا، إنما الربا في النسيئة فليتق العبد ربه سبحانه وتعالى وليعلم أن الربا من المهلكات، وأن المرابي محارب لربه عز وجل، وقد آذنه الله بالحرب، أي أعلمه سبحانه وتعالى بالمحاربة، المرابي محارب لله عز وجل، هناك من يحارب الله عز وجل بأمر آخر يحارب الواحد القهار وحده لا شريك له، بأمر آخر وهو المغلوب، المهزوم، الذي قد خسر خسران مبيناً إن لم يتب إلى ربه سبحانه وتعالى، هناك من يقطع طرقات الناس، ويخيف الناس في طرقاتهم، يخيف الناس في أسفارهم، يتعرض للناس في سيرهم في بلاد الله عز وجل، يتعرض لأموالهم، أو لأنفسهم، أو لأنفسهم ودمائهم، أو لأعراضهم، فهؤلاء محاربون لله عز وجل، ولرسوله عليه الصلاة والسلام، وللمؤمنين، قال سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)}[المائدة:33].

هؤلاء محاربون، يحاربون من؟ يحاربون رب العالمين سبحانه وتعالى، والله هو الواحد القهار، جزاؤهم ما ذكره الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض، قال جماعة من أهل العلم : إن حصل منهم القتل قُتلوا وصُلِبوا، وإن حصلت منهم السرقة فقط قُطِّعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن حصل منهم الإخافة فقط من غير قتلٍ ومن غير سرقة، فهؤلاء يُنفَون من الأرض، لا يُتركون في أي موضعٍ منها، كلما ذهبوا إلى بلدٍ طردُوا منها، طردوا منها حتى تظهر توبتهم، ويرجعوا إلى ربهم سبحانه وتعالى، ذلك لهم خزيٌّ في الدنيا ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم، توعدهم رب العالمين في الآخرة بالعذاب العظيم، وعذاب الآخرة أشد، وعذاب الآخرة أعظم، فيا عبد الله اتقِ الله سبحانه وتعالى، اتقِ الله سبحانه وتعالى واستقم على دين الله أنت عبد لله عز وجل، حقق العبودية لله،{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} 

خلقك ربك لعبادته فكن عبداً لله عز وجل، كن متذللاً خاضعاً، وأصل العبودية لله عز وجل هي غاية الحب مع غاية الذل، هذه هي العبودية لله عز وجل، فكن عبداً متواضعاً مستكيناً ذليلاً منقاداً لله عز وجل، على من تتكبر وعلى من تتعالى تتعالى على ربك الذي أحياك وهو الذي يميتك ومصيرك إليه، وسوف يجازيك على أعمالك، لا تغتر لا تغتر بقوتك، لا تغتر بشجاعتك، لا تغتر بعشيرتك، لا تغتر بأحد ممن هو حولك، فالله هو وحده الواحد القهار، ليس هناك واحد قهار إلا رب العالمين سبحانه وتعالى، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار، لمن الملك اليوم لله الواحد القهار، ليس هناك واحد قهار إلا رب العالمين سبحانه وتعالى، جميع الخلق ضعفاء، ينظر الإنسان إلى نفسه فوق قدره، وهو ضعيف مهين، الحمى إن جاءته طرحته وألقته على الفراش إلى أن يعافيه ربه سبحانه وتعالى، وهكذا الأمراض إن جاءت عليه أقعدته، وذهبت قوته، وذهبت شجاعته، وذهب بطشه تأمل في نفسك، ولا تكن من المغرورين، واتقِ ربك واستقم على دين الله عز وجل، ولا تحارب رب العالمين سبحانه وتعالى.


أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية:


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد : روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال:" يقول الله عز وجل من عاد لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترَضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيدنه، هذا الحديث قال أهل العلم، هو أشرف حديث في الأولياء، بيَّن ربنا عز وجل في هذا الحديث القدسي أن من عادى وليًّا من أوليائه فقد آذنه بالحرب، أي أعلمه، والأذان بمعنى الإعلام، فمن عادى وليًّا من أولياء الله عز وجل فقد أعلمه رب العالمين بالحرب، وأولياء الله ليس كما يظن جهال الناس الذين ماتوا وبنيت عليهم القباب، ليس هذا بصحيح، والبناء على القبور منهي عنه، نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث متعددة، الولي هو العبد التقي، سواء كان حياً أو كان ميتاً، {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)}[يونس:62،63].

فمن كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً، سواء كان حياً أو كان ميتاً، وبين نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن أولياء الله هم الذين يتقربون إلى الله عز وجل بالفرائض، ويسارعون إليه بالنوافل، فهؤلاء هم أولياء الله، الذين يتقربون إلى الله بالفرائض فيمتثلون أمره، وينتهون عن نهيه، ويسارعون في مرضاته سبحانه وتعالى من كان كذلك، فهو من أولياء الله، سواء كان من المقتصدين من أهل اليمين من الأبرار الذين اقتصروا على فعل الواجبات وتلك المحرمات، أو كان من المقربين الذين سارعوا في نوافل العبادات فهؤلاء هم أولياء الله، فمن عاداهم فإن الله سبحانه وتعالى قد أعلم من عاداهم بالمحاربة، من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، ومن حارب ربه سبحانه وتعالى فهو الخسران الذي خسر الدنيا والآخرة، عادى قوم نوح، نوح عليه الصلاة والسلام، فدعا ربه سبحانه وتعالى إني مغلوب فانتصر قال الله:{فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)}[القمر:11،13].

أغرق الله جميع الأرض دفاعًا عن وليٍّ من أوليائه، عن نوح عليه الصلاة والسلام، فالله هو الواحد القهار، وهو الذي يدافع عن أوليائه المؤمنين،{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)}[الحج:38].

المختال الفخور لا يحبه الله عز وجل والله، هو الذي يتولى الدفاع عن عباده المؤمنين، من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وهكذا تمالأ قوم صالح عليه الصلاة والسلام على نبيهم تمالأوا عليه وأرادوا أن يتقوَّوا عليه بقوتهم وما علموا أن الله معه،{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52)وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)}[النمل:48،53].

تسع رهط، تسع رجال معهم أتباع من قوم صالح عليه الصلاة والسلام أرادوا أن يقتلوه مع أهله، أرادوا أن يقتلوه مع أهله مع المقربين من أهله، تمالأوا واجتمعوا، وأرادوا أن يمكروا، ومكر الله بهم، فبينما هم في سيرهم ليلاً وتقاسموا فيما بينهم، أي حلفوا بالله لنبيتنه، أي لنوقعن عليه القتل مع أهله ليلاً بياتاً، تقاسموا على ذلك وحلفوا بالله عز وجل على هذا الأمر، لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه أو أولياء دمه، ما شهدنا مهلك أهله، أي ما شهدنا هلاك أهله، ما كنا حاضرين أرادوا أن يفعلوا الجريمة ليلاً، ثم بعد ذلك يتبرأون مما فعلوا، لنبيتنه وأهله، ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون، قال بعض العلماء : باتوا في كهفٍ بقرب منزل نبي الله صالح فسقطت عليهم حجرة فأهلكتهم، وقيل كانوا جلوساً تحت صخرة فأسقط الله عز وجل الصخرة عليهم حتى هلكوا، وقيل رمتهم الملائكة بحجارة من السماء، وقيل مشوا في جرف من الأرض فانهدم ذلك الجرف عليهم فكان قبرهم، وقيل غير ذلك على كل أهلكهم الله سبحانه وتعالى بأي أمر كان، والله سبحانه وتعالى هو الواحد القهار، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، أهلكهم الله عز وجل، من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، هكذا يقول رب العالمين سبحانه وتعالى في الحديث القدسي، لا تكن محارباً لله، خف من ربك عز وجل، فإن الله هو الواحد القهار، لا تغتر بنفسك ولا بقوتك، استكن إلى ربك، وحقق العبودية لله عز وجل، تفز في الدنيا والآخرة، ومن تواضع لله رفعه الله في الدنيا والآخرة،{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)}[القصص:83].

هي حرام عليهم الذي يسعى في الفساد في الأرض والعلو في الأرض على عباد الله عز وجل فإن الآخرة حرام عليه، تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين .


أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين، وأن يرحمنا برحمته إنه هو الغفور رحيم، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلَّها، وأولها وآخرها، وعلانيتها وسرَّها، اللهم اهدنا إلى الصراط المُستقيم، واجعلنا هداةٍ مُهتدين، غير ضالين ولا مُضلِّين، اللهم أمِّنَّا في أوطاننا، اللهم أمِّنَّا في أوطاننا، اللهم أمِّنَّا في أوطاننا، اللهم يسِّر على المُعسِرين، واقض الدين عن المدينين، وعافِي مبتل المسلمين، واشفِي مرضاهم، وارحم موتاهم إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، والحمد لله رب العالمين.

فرغها أبو عبد الله زياد المليكي حفظه الله


جميع الحقوق محفوظة لـ الموقع الرسمي للشيخ أبي بكر الحمادي