ضياء السالك في بيان أنَّه لا يهلك على الله إلا هالك - خطبة ـ 30 جمادى الأولى 1447هـ 2025-11-21 16:47:00
خطبة جمعة بعنوان ضياء السالك في بيان أنه لا يهلك على الله إلا هالك
إن الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ، ونستغفرُه ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ، ومن سيئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران : 102] .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًاكَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[ النساء : 1 ]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب : 70 ،71].
أما بعد : فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيما يرويه عن ربه عز وجل:" إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بالسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملة، وإن همَّ بها وعملها كتبها الله سيئةً واحدة، وفي روايةٍ لمسلمٍ قال عليه الصلاة والسلام:: أو يمحاها، أو محاها ولا يهلك على الله إلا هالك.
أو محاها أي محا تلك السيئة، ولا يهلك على الله إلا هالك، هذا الحديث العظيم من أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام بيَّن فيه نبينا عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه فضل ربه عز وجل، وبين شيئاً من كرم ربه سبحانه وتعالى، وبين شيئاً من إحسانه وتفضله على عباده، وفي هذا الحديث قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات، الكل مكتوب عليك، الحسنات مكتوبة ومدونة، والسيئات مكتوبة ومدونة، قد كتب الله عز وجل مثاقيل الذر،{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}[الزلزلة]
قال:{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)}[الإسراء:14].
قال:{هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29)}[الجاثية:29].
قال:{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ (12)}[يس:12].
وقال سبحانه وتعالى:{مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)}[ق:18].
قال:{إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21)}[يونس:21].
فكل شيء مكتوب مدون،{ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ (53)}[القمر:52،53].
فالكل مكتوب، والكل مسطور،{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)}[الكهف:29].
الحسنات والسيئات مدونة، مدونة مكتوبة، أحصاه الله ونسوه، العبد يعمل العمل وينسى، والله سبحانه وتعالى قد أحصى كل شيء، وكل شيء مكتوب، وقد جعل الله سبحانه وتعالى ملائكة يقومون بذلك، يكتبون ما تفعلون، وهم الحفظة الكتبة الذين أمرهم الله سبحانه وتعالى بكتابة أعمال العباد، إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، أي فصَّل هذه الجملة بقوله بعد ذلك قال: فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً. إِذا هممت بحسنة بعمل صالح ثم تركت ذلك فإن هذا الهم الذي في قلبك الذي لم ينتج منه عمل من كرم الله ومن جوده ومن فضله أنه يكتب لك حسنةً كاملة ليس فيها نقصان، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملة، من غير نقصان، مجرد هم في قلبك هممت أن تتصدق يكتب الله لك حسنة وإن لم تتصدق، هممت بقلبك أن تصلي نافلة لله عز وجل يكتب الله لك حسنة وإن لم تقم بذلك، هممت بفعل خير بأي نوع من أنواع الخير هممت بقلبك وإن لم تعمل فمن فضل الله وكرمه وجوده وإحسانه أنه يكتب لك حسنة كاملة ليس فيها نقصان، قال: وَإِنْ هَمَّ بِهَا وَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، أما إذا جمعت بين الهم والعمل فالأمر أعظم من ذلك، فتنال من كرم الله، ومن جوده، ومن إحسانه هذه المضاعفة، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة،{مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)}[الأنعام:160].
الحسنة تضاعف، والسيئة لا تضاعف، يجزيك الله سبحانه وتعالى بالحسنة عشر حسنات، وقد يضاعف الله سبحانه وتعالى لك أكثر من ذلك إلى سبعمائة ضعف، بل إلى ما هو أكثر من سبعمائة ضعف، فالأعمال تتفاضل باعتبار الإخلاص لله عز وجل، وباعتبار شدة الحاجة إليها إذا كانت من قبيل الصدقات ونحوها من الأمور المتعدية النفع، وهكذا قد تضاعف باعتبار شرفها وعظيم مكانتها عند ربها سبحانه وتعالى، فيضاعف الله عز وجل العمل إلى عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:{كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)}[البقرة:261].
فيضاعف الله عز وجل أكثر من ذلك لمن يشاء، وهنالك من الأعمال ما فيها مضاعفة أكثر من سبعمائة ضعف، وعلى سبيل المثال ما روى مسلم في صحيح من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال :" والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأ أو تملآن ما بين السماء والأرض. إذا قلت الحمد لله جعل الله سبحانه وتعالى لك حسنات كثيرة تملأ الميزان، إذا قلت الحمد لله وسبحان الله جعل الله عز وجل لك من الحسنات الكثيرة ما بين السماء والأرض، هذه حسنات كثيرة أكثر من سبعمائة ضعف، تذكر ربك سبحانه وتعالى فتنال هذه الحسنات العظيمة الكثيرة، ولا سيما ذكر الله عز وجل في أماكن الغفلة، في الأسواق، فالأسواق هي أماكن الغفلة، فذكر الله عز وجل في أماكن الغفلات أعظم في الأجر، والمثوبة، والحسنات تضاعف إلى مضاعفات كثيرة في مثل هذه الأماكن، وهي أماكن الأسواق، أماكن الغفلات، التي يغفل الكثير من الناس فيها عن ذكر الله عز وجل، وينشغلون بالدنيا، وشهواتها، وملذاتها
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم إلى كل خير، وأن يرحمنا برحمته، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله عليه الصلاة والسلام، معاشر المسلمين: إن فضل الله سبحانه وتعالى عظيم على عباده المؤمنين، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وقد يعظم الله سبحانه وتعالى الحسنة، يعظم الحسنة ويعظم العمل الصالح حتى يصير كالجبل، أو أعظم من ذلك، والله كريم جواد، في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من تصدق بعدل تمرة، أي بما يعدلها من كسبٍ طيب، ولا يقبل الله إلا طيبًا إلا تقبلها الله بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه، أي مهره وفرسه الصغير حتى تصير كالجبل، وفي روايةٍ أعظم من الجبل، وفي روايةٍ مثل الجبل أو أعظم، وهي صدقة يسيرة بعدل تمرة، أي بمقدارها من أي شيء من الأشياء، بمقدار تمرة، لكنها من كسب طيب، والله سبحانه وتعالى يحب إلا الطيب، يربي الله عز وجل لك هذه الحسنة، وهذا العمل الصالح حتى تصير هذه الحسنة اليسيرة كالجبل أو أعظم من ذلك، تلقى ربك سبحانه وتعالى بهذه الحسنة التي هي كالجبل العظيم أو أعظم من ذلك، وهذا من كرم الله، ومن جوده، ومن فضله، وقد يجازيك الله سبحانه وتعالى بما أحسنت به في الآخرة إلى سبعمائة ضعف من ذلك الشيء الذي أحسنت به، وتصدقت به في مرضات الله عز وجل جاء، في مسلم من حديث أبي مسعود الأنصار رضي الله عنه، أن رجلًا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام :" إن لك يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة.
وجاء الحديث عند أبي نعيم في الحلية" في الجنة" في الجنة يضاعف الله عز وجل هذه الناقة إلى سبعمائة ناقة في الجنة، فيضاعف الله عز وجل الحسنات، ويضاعف لك الله عز وجل الجزاء والنعيم أيضاً في الجنة، وفضل الله سبحانه وتعالى واسع، والله كريم جواد، قال عليه الصلاة والسلام : إن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وهذا من كرم الله ومن فضله، هممت بسيئة ثم تركت السيئة من أجل الله عز وجل لا من أجل فلان ولا فلان، ولا لأنها تعسرت عليك ولم تتمكن منها، وإنما تركتها من أجل الله عز وجل يكتب الله لك حسنةً كاملة، لا نقصان فيها، وجاء الحديث من حديث أبي هريرة في مسلم قال ربنا سبحانه وتعالى: وَإِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّائِي. أي من أجل الله عز وجل، فإن هممت بسيئة ثم تركتها من أجل الله عز وجل فإن عملك لا يضيع، هذا العمل الذي في قلبك، وهذا الهم الذي في قلبك، وهذا الخوف من الله عز وجل الذي في قلبك، لا يضيع يأجرك الله سبحانه وتعالى حسنة كاملة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها وعملها، أي وقع في السيئة قال: كتبها الله سيئة واحدة، لا يضاعف الله عز وجل لك السيئات، وإنما يضاعف لك الحسنات، السيئة واحدة، وأما الحسنات فيها كثيرة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يُجزى إلا مثلها وهم لا يُظلمون، في ختام الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام:" أو محاها، إما أن يكتب الله عز وجل لك سيئة واحدة، أو يعفو الله عنك ويمحو تلك السيئة، قال: أو محاها، قال في ختام الحديث: ولا يهلك على الله إلا هالك، بعد هذا الفضل العظيم من رب العالمين سبحانه وتعالى، وبعد هذا الجود، وبعد هذا التفضل، وبعد هذا الإحسان، لا يهلك على الله فيقع في عذابه إلا هالك، إلا عبد شقي قد انجر إلى الشهوات المحرمة، قد غفل عن ربه سبحانه وتعالى، قد التهى بالدنيا ولم يبالي بربه سبحانه وتعالى، أما من يريد الخير فباب الخير واسع، كرم الله عظيم، وفضل الله كبير، السيئة تُكتب لك سيئة واحدة، أو يمحوها الله عز وجل، الحسنة تضاعف إلى عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، تهم بسيئة وتتركها من أجل الله عز وجل فيكتب الله لك حسنةً كاملة، فضل الله عظيم لا يهلك على الله بعد ذلك إلا هالك، لا تكن من الهالكين، لا تكن من الهالكين أقبل على ربك سبحانه وتعالى فالخير والسعادة لك في الدنيا والآخرة، أن تقبل على ربك، وأن تعمل عملاً صالحاً، لا تنشغل بدنياك فتنسى آخرتك، خذ من دنياك ما تستعين به على طاعة الله عز وجل، إياك إياك أن تكون من الهالكين، فإنه لا يهلك على الله إلا هالك.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا برحمته، وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجلَّها وأولها وآخرها وعلانيتها وسرَّها، اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ، ونعوذُ بك من النار وما قرَّب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم يسر على المُعسِرين، واقضي الدين عن المدينين وعافي مبتل المسلمين، واشف مرضاهم، وارحم موتاهم، إنك أنت الغفور الرحيم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، والحمد لله رب العالمين.
فرغها أبو عبد الله زياد المليكي حفظه الله