فتح ذي الطَّول لمعنى حديث:( ويل لأقماع القول ) 27 رجب 1447هـ 2026-01-17 14:02:45
خطبة جمعة بعنوان فتح ذي الطَّول لمعنى حديث (ويل لأقماع القول ٠)
لشيخنا المبارك أبي بكر الحمادي حفظه الله
سجلت بتاريخ ٢٧/ رجب/١٤٤٧ه
إن الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ، ونستغفرُه ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ، ومن سيئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران : 102] .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًاكَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[ النساء : 1 ]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب : 70 ،71].
أما بعد : فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد حسن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ارحموا ترحموا ، واغفروا يغفر الله لكم ، ويل لأقماع القول ، ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " . في هذا الحديث حث النبي عليه الصلاة والسلام على أمور ، وحذر النبي عليه الصلاة والسلام من أمور ، فحث النبي عليه الصلاة والسلام على الرحمة والتراحم ، فقال عليه الصلاة والسلام : " ارحموا ترحموا " ، فمن رحم الخلق رحمه الله سبحانه وتعالى ، والجزاء من جنس العمل، في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يرحم الله من لا يرحم الناس " ، فالذي لا يرحم الناس فإن الله سبحانه وتعالى لا يرحمه، لا يرحم الله من لا يرحم الناس، فإذا أردت رحمة الله عز وجل فكن رحيماً بالناس وكن رحيماً بالخلق، في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ".
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس ، فقال الأقرع للنبي عليه الصلاة والسلام : " إن عندي عشرة من الولد ما قبلت منهم واحداً " ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من لا يرحم لا يرحم " .
وفي المسند من حديث قرة بن إياس رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي عليه الصلاة والسلام : " إني لأذبح الشاة وإني لأرحمها " ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والشاة إن رحمتها يرحمك الله ".
فمن رحم خلق الله عز وجل رحمه الله ، حتى ولو رحمتم مخلوقاً رحمك الله سبحانه وتعالى، وتعلمون القصة المشهورة في الصحيحين من حديث أبي هريرة في شأن الرجل الذي سقى كلبا حين اشتد به العطش ، فشكر الله له فغفر له، شكر الله له فغفر له، فمن يرحم يرحمه الله عز وجل ، والجزاء من جنس العمل ، فكن رحيماً بعباد الله عز وجل إن أردت رحمة الله عز وجل، قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث العظيم : " ارحموا ترحموا ، واغفروا يغفر الله لكم " . حث أيضا على الصفح والعفو والمغفرة والتجاوز عن سيئات الخلق ، إن عاملت الناس بالعفو والصفح والمغفرة والتجاوز عاملك الله سبحانه وتعالى بالنظير ، بنظير ما فعلت ، إن أردت مغفرة الله عز وجل فاغفر لمن أساء إليك ، إن أردت عفو الله سبحانه وتعالى فاعف عمن أساء إليك ، عامل الخلق بالعفو والصفح يعاملك الله سبحانه وتعالى بنظير ذلك، قال : " واغفروا يغفر الله لكم " وهكذا قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(22)}[النور:22]. اعف واصفح عمن أساء إليك إن كنتم تحبون أن يغفر الله سبحانه وتعالى عنكم وأن يتجاوز عن سيئاتكم ، كم لك من السيئات ، كم لك من السيئات بينك وبين ربك ، فعامل الخلق بالعفو يعاملك الله عز وجل بالعفو ، عامل الناس بالمغفرة والصفح يعاملك الله سبحانه وتعالى بنظير ذلك ، {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)}[آل عمران:134].
وقال سبحانه وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)}[التغابن:14].
أي يعاملكم بالمثل ، إن عاملتم الأزواج والأولاد بالعفو والصفح والمغفرة عاملكم الله سبحانه وتعالى بالمثل ، والجزاء من جنس العمل ، " ارحموا ترحموا ، واغفروا يغفر الله لكم " ، حث النبي عليه الصلاة والسلام على هذين الخلقين العظيمين، ثم قال عليه الصلاة والسلام تحذيرا وزجرا من خلقين ذميمين ، قال : " ويل لأقماع القول ، " ، وعيد شديد لمن كان من هؤلاء ، لمن كان من أقماع القول ، من كان شبيها بالقمع ، والقمع الذي يصب عليه الزيت ونحو ذلك حتى يدخل الزيت منه إلى القارورة ونحو ذلك ، والأقماع معروفة مشهورة عند الناس، فقال عليه الصلاة والسلام : " ويل لأقماع القول " ، أي من كان شبيها بالأقماع ، والقمع لا يستقر شيء في جوفه ، وهناك من الناس من هو كذلك ، إن وعظ بالمواعظ فإن الموعظة لا تستقر فيه كالقمع ، يدخل الزيت والسائل من أعلاه ويخرج من الموضع الآخر ، وهكذا هناك من الناس من يسمع الموعظة من أذنه وتخرج من الأذن الأخرى ولا تستقر في قلبه ، لا ينتفع بموعظ القرآن ، ولا ينتفع بموعظ السنة ، لا ينتفع أيضا بموعظ الواعظين ، فهؤلاء هم أقماع القول الذين لا ينتفعون بالمواعظ والذكرى، قال الله سبحانه وتعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ(20)وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(21)إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ(22)وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ(23)}[الأنفال:20،23].
فهؤلاء مذمومون ، ومن هؤلاء المنافقون ، قال سبحانه وتعالى :{وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ(16)}[ سورة: 16]
فلم ينتفعوا بموعظ رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ولم تدخل المواعظ إلى قلوبهم، وهكذا قال الله سبحانه وتعالى عن اليهود : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا }[البقرة:93].
سمعنا وعصينا ، لم ينتفعوا بذلك ، سمعوا ولم ينتفعوا ، وهؤلاء هم أقماع القول ، فخاطبوا نبيهم عليه الصلاة والسلام وخاطبوا ربهم عز وجل بهذا الخطاب القبيح " سمعنا وعصينا " {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا(46)}[النساء:46].
فلا تكن من هؤلاء يا عبد الله ، كن ممن إذا سمع الموعظة انتفع بها وانزجر بزواجرها واهتدى بما فيها من الهدى ، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، سماع واتباع . فهؤلاء الذين مدحهم الله عز وجل وأثنى عليهم ، {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(124)وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ(125)}[التوبة:124،125].
هناك من ينتفع ويزداد إيمانا بسماعه لآيات القرآن ، وهناك من يزداد رجسا إلى رجسه والعياذ بالله ، لا ينتفع بموعظ القرآن ولا ينتفع بموعظ السنة ، هؤلاء الذين طمس الله سبحانه وتعالى على قلوبهم ، هؤلاء الذين أضلهم الله سبحانه وتعالى ، {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ(9) سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ(10)وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى(11)الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ(12)}[الأعلى:9،12].
هناك من ينتفع بالذكرى ويخشَ ربه ، وهناك من هو من أقماع القول ، لا ينتفع بالذكرى ، تدخل الذكرى من أذنه وتخرج من الأذن الأخرى ولا تستقر الموعظ في قلبه ، لقد أثنى الله سبحانه وتعالى على الجن الذين اهتدوا وانتفعوا بسماعهم للقرآن : {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ(29)قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ(30)يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(31)}[الأحقاف:29،31].
فهؤلاء الجن استمعوا للقرآن وانتفعوا، ودخلت الهداية إلى قلوبهم وذهبوا إلى قومهم منذرين واعظين ، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ، فهؤلاء هم المفلحون، إذاً يا عبد الله لا تكن من هؤلاء الذين قال فيهم النبي عليه الصلاة والسلام : " ويل لأقماع القول " .
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يرحمنا برحمته ، إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية:
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد ، قال عليه الصلاة والسلام : " ارحموا ترحموا ، واغفروا يغفر الله لكم ، ويل لأقماع القول ، ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " . ختم النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحديث بهذه الخصلة الثانية من الخصال المذمومة : " ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " . يصرون على الذنوب والمعاصي وعلى السيئات وهم يعلمون أن تلك من الذنوب والمعاصي ، يعلمون أن الله سبحانه وتعالى يسخط ذلك ، يعلمون أن الله عز وجل يبغض تلك الأعمال ، يعلمون بشؤم الذنوب والمعاصي وبقبحها ، ويعلمون أيضا أن الله سبحانه وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين ، يعلمون ذلك ويصرون على الأعمال القبيحة والعياذ بالله، فهؤلاء هم التعساء والعياذ بالله . قال الله سبحانه وتعالى :{وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ(41)فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ(42)وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ(43)لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ(44)إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ(45)وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ(46)}[الواقعة:41،46].
أي يصرون على الذنب العظيم الكبير ، لا يتوبون إلى الله عز وجل ولا يرجعون إليه، حالهم كما قال سبحانه وتعالى :{بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ(5)}[ القيامة: 5]
يريد أن يستمر بالفجور يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر إلى أن يأتيه الموت ، لا يريد أن يرجع إلى ربه سبحانه وتعالى ، لا يريد أن يتوب وإنما يريد أن يستمر في الفجور والعياذ بالله يوما بعد يوم، فهؤلاء الذين يصرون على ذنوبهم وعلى معاصيهم وهم يعلمون ، هؤلاء الذين ذمهم نبينا عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل عن نوح عليه السلام : {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا(5)فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا(6)وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا(7)}[نوح:5،7].
أصروا على ما هم عليه من الباطل، وأصروا على ما هم عليه من الكفر والشرك واستكبروا استكبارا، فلم يتوبوا ولم يرجعوا إلى ربهم سبحانه وتعالى ، لقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أهل الجنة بخلاف هذه الصفة المذمومة ، فقال سبحانه وتعالى :{وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135)}[آل عمران:133،135].
فهؤلاء هم أهل الجنة ، لا يصرون على الذنوب والمعاصي وهم يعلمون قبحها وهم يعلمون أنهم في ذنب ومعصية ، وهم يعلمون ما فيها من الضرر وما فيها من الشر والبلاء في الدنيا والآخرة ، بل يتوبون إلى الله عز وجل ويرجعون إليه، فهؤلاء هم أصحاب الجنة ، فكن يا عبد الله من هؤلاء ولا تصر على الذنوب والمعاصي ، لا تصر على ذلك وارجع إلى ربك سبحانه وتعالى، هذا الحديث الذي قرأناه من أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام فيه الأمر والنهي ، فيه الموعظة البليغة للعباد ، موعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، قال عليه الصلاة والسلام : " ارحموا ترحموا ، واغفروا يغفر الله لكم ، ويل لأقماع القول ، ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " .
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين وأن يرحمنا برحمته ، إنه هو الغفور الرحيم، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها ، دقها وجلها ، وأولها وآخرها ، وعلانيتها وسرها، اللهم اهدنا إلى الصراط المستقيم واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين ، اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم يسر على المعسرين ، واقض الدين عن المدينين ، وعاف مبتلى المسلمين ، واشف مرضاهم ، وارحم موتاهم ، إنك أنت الغفور الرحيم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، والحمد لله رب العالمين .
فرغها زياد المليكي حفظه الله ورعاه