التبيان في بيان أحوال أهل الكفران مع القرآن ـ خطبة الجمعة ـ 28 جمادى الآخرة 1447هـ 2025-12-19 13:10:56
خطبة جمعة بعنوان التبيان في بيان أحوال أهل الكفران مع القرآن
لشيخنا المبارك أبي بكر الحمادي حفظه الله ورعاه
سجلت بتاريخ ٢٨ جمادى الآخرة ١٤٤٧ه
إن الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه ، ونستغفرُه ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ، ومن سيئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[ آل عمران : 102] .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًاكَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[ النساء : 1]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب : 70 ،71].
أما بعد : فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن كتابه الكريم:{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80)}[الواقعة:77،80].
فالقرآن كتاب كريم، كما أخبرنا بذلك ربنا سبحانه وتعالى، وهو تنزيل من رب العالمين وحده لا شريك له ، فالله سبحانه وتعالى هو الذي تكلم بالقرآن ، ونزل منه وحده لا شريك له، تنزيل من رب العالمين ، تنزيل من الرحمن الرحيم ، فهو تنزيل من الله، فالله الذي تكلم به،{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ}[التوبة:6].
فالقرآن كلام الله عز وجل، تكلم الله به، ولكن حق القول مني، فهو منه، لا من غيره، فالقول هو القرآن وهو منه لا من غيره، فمنه بدأ وإليه يعود فالقرآن من الله بدأ وإليه يعود، فالقرآن من الله بدأ وإليه يعود في آخر الزمان، فإن الله سبحانه وتعالى يرفع القرآن من المصاحف ومن الصدور في آخر الزمان من المصاحف من الصدور كما جاءت بذلك الأدلة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذا القرآن كتابٌ كريم جعله الله سبحانه وتعالى مهيمناً على الكتب السابقة، ولقد عادى هذا القرآن الكريم كثيرٌ من الكافرين منذ أن أنزله رب العالمين سبحانه وتعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام إلى هذه الأزمان، فعادوه معاداة شديدة، وأعرضوا عنه، وكذبوا عليه الأكاذيب، فمن أحوال الكافرين مع كتاب الله عز وجل أنهم إذا سمعوا آياته لغوا فيه، قال سبحانه وتعالى :{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)}[فصلت:26].
فلا يسمعون كلام الله عز وجل، فإذا قُرِئ عليهم القرآن اكثروا من الصياح ومن الحديث ومن اللغط، لا يريدون أن يهتدوا بكتاب الله عز وجل، ولا يريدون أن يسمعوا كلام الله عز وجل، ولا ينبغي للمسلم أن يكون كذلك،{إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)}[الأعراف:204].
هكذا يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى، فإياك أن تتشبه بالكافرين، فتلغوا عند كلام الله عز وجل، وإنما إستمع و أنصت لكلام الله عز وجل فهو أحسن الحديث، {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ}[الزمر:23].
فالكفار من أحوالهم أنهم إذا سمعوا القرآن لغوا فيه، من أحوالهم مع كتاب الله عز وجل أنهم يفرون منه وعن سماعه، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم :{فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51)}[المدثر:49،51].
يفرون عن التذكرة عن كلام الله عز وجل، كفرار الحمر الوحشية من القسورة، قيل من الأسد، وقيل من الرُّمَاة، فالحُمر الوحشي إذا رأت الأسد فرَّت فرارًا شديدًا، وإذا رأت الرُّمَاة أيضًا فرَّت فرارًا شديدًا، وهؤلاء الكفار يفرُّون من كلام الله عز وجل، من أحسن الحديث، فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حُمرٌ مُستنفرة، ولم يقل سبحانه وتعالى نافرة، وإنما قال مستنفرة، والمستنفر من يُهيِّج غيره على الفرار، فهي نافرة، ومستنفرة تُهيِّج غيرها على الفرار من كلام الله عز وجل، فهذا من أحوال الكافرين الذي قصَّه لنا ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم.
ومن أحوالهم مع كتاب الله عز وجل أنهم يزعمون أن القرآن مفترى، تكلم به البشر، مخلوق خلقه الله عز وجل، تكلم به البشر وكلام البشر مخلوق، وأنه سحر، وأنه مكذوب، وأنه أساطير الأولين، وكل هذه من الإفتراءات التي افتراها المفترون على كلام رب العالمين سبحانه وتعالى، قال سبحانه وتعالى في شأن الوليد بن المغيرة:{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)} خلقه الله عز وجل وهو وحيد لا مال له ولا ولد، أو على معنى خلقته وحدي، ولم يشاركني أحد في خلقه،{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا (12)} أي مالاً كثيراً واسعاً، {وَبَنِينَ شُهُودًا (13)} أي أبناء حاضرين عنده،{وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا ۖ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16)} إلى أن قالنا سبحانه وتعالى:{فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)}[المدثر:11،25]. زعم أن القرآن سحر، وأن القرآن كلام البشر، أي تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام البشر مخلوق، وكلام الخالق ليس بمخلوق، وشتان ما بين كلام الله عز وجل، وما بين كلام البشر، لأن الله يقول عن نفسه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)}[الشورى:11].
كلام البشر يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، أما كلام الله سبحانه وتعالى لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله،{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (6)}[الفرقان:5،6].
زعموا أنه أساطير ممن مضى، وأنها كتب من مضى تقرأ على رسول الله عليه الصلاة والسلام في الصباح والمساء حتى يقوم بحفظها، ويقوم بإتقانها، فهي تملى عليه بكرةً وأصيلاً، رد عليهم رب العالمين سبحانه وتعالى، فقال قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، القرآن فيه أسرار عجيبة، أخبر الله سبحانه وتعالى فيه عن أخبار من مضى، وأخبر الله سبحانه وتعالى فيه عن أخبار من سيأتي، وعن يوم القيامة، وعن أحوال يوم القيامة فيه أسرار لا يعلمها إلا رب العالمين سبحانه وتعالى، أنى يكون هذا من كلام البشر وفيه أمور غيبية، وفيه أسرار لا يطلع عليها البشر، لا يكون هذا القرآن إلا من كلام رب البشر سبحانه وتعالى وقال سبحانه وتعالى، وقال سبحانه وتعالى:{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)}[النحل:103]. زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى القرآن من بعض الأعاجم فأكذبهم الله سبحانه وتعالى، وبيَّن أن هذا من الإفتراء والكذب، كيف يكون من كلام ذلك الرجل الأعجمي الذي نسبوا القرآن إليه وهو أعجمي، والقرآن جاء بلسان العربي المُبين، كيف يتكلم الأعجمي باللسان العربي المُبين الذي هو من أفصح الكلام، ومن أحسن الكلام، هذا لا يكون،{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)}[الأنفال:31].
لو نشاء لقلنا مثل هذا، هُمْ مُفْتَرُونَ ما استطاعوا أن يأتوا بمثل القرآن وقد تحدَّاهم رب العالمين سبحانه وتعالى،{أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (34)}[الطور:33،34].
ما استطاعوا.
قال: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)}[الإسراء:88].أي معيناً، لو تعاون جميع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لما تمكنوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، بل تحدَّاهم رب العالمين سبحانه وتعالى أن يأتوا بمثل عشر سور من سوره، فقال {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13)}[هود:13]. إذا لم تتمكنوا أن تأتوا بمثل القرآن، فأتوا بمثل عشر سور فقط من سور القرآن، فما تمكنوا من ذلك، فتحدَّاهم الله عز وجل أن يأتوا بمثل سورة واحدة من سور القرآن،{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23)فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)}[البقرة:23،24].
لن يفعلوا ذلك أبداً، ولن يتمكنوا من ذلك أبداً، عجزوا أن يأتوا بمثل القرآن، وبمثل عشر سور منه، وبمثل سورةٍ واحدة من سور القرآن، ثم يفترون ويقولون: إن هو إلا قول البشر، إن هو إلا أساطير الأولين، إن هو إلا سحر، إن هو إلا كذا وكذا، كل هذه من الافتراءات، ومن الأكاذيب التي افتراها الكافرون،{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)}[الأنفال
وعجزوا عن ذلك وما تمكنوا .
من أحوال الكافرين مع كتاب الله عز وجل: أنهم لا ينتفعون به، يزادون ضلالاً وانحرافاً ورجساً، وعمى والعياذ بالله، لأن الله سبحانه وتعالى قد طمس على قلوبهم، وعلى أبصارهم، فهم لا يهتدون، ولا ينتفعون:{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)}[
فصلت:44].
القرآن عليهم عمى، أولئك ينادون من مكان بعيد، شأنهم مع القرآن كشأن من يناد من مكان بعيد، فإن من نودي من مكان بعيد يسمع صوتاً ولا يفقه قولاً لبعد المنادي، فهكذا هؤلاء مع كلام الله عز وجل، لا يعقلون ولا يفهمون ولا يدركون ما يرد الله لهم من الخير في كتابه لا يفهمون ولا يعقلون ولا يعون شأنهم مع كتاب الله عز وجل كمن يُنادى من مكانٍ بعيد يسمع صوتاً ولا يفقه قولاً،{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)}[فصلت:44].
هذه أحوالهم مع كتاب الله عز وجل ضلوا فيه ضلال بعيدا
الخطبة الثانية:
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: ما نسمع في هذه الأيام من تجرُّ بعض الكافرين على كتاب الله عز وجل بالإهانة وما إلى ذلك فإنما هم يهينون أنفسهم، وأما كلام الله عز وجل وكتاب الله سبحانه وتعالى فهو كتابٌ كريم على رغم أنوف الكافرين، وعلى رغم كل أنوف الملحدين والمشركين، فإنه تنزيلٌ من رب العالمين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد، فهو كتابٌ كريم، فمن أهانه فإنما يهين نفسه والعياذ بالله، فهؤلاء القوم الذين تجرَّوا على كتاب الله عز وجل تجرَّوا على كتاب الله إنما تجرَّوا على أنفسهم، وإنما أضرَّوا أنفسهم، وكتاب الله سبحانه وتعالى كتابٌ كريمٌ، وكتابٌ عظيمٌ، من يدَّعي اليهودية ويتجرَّأ على كتاب الله عز وجل فهو متجرِّئٌ على موسى عليه الصلاة والسلام، بل وعلى سائر الأنبياء والرسل، ومن ادعى النصرانيَّة وهو يتجرَّأ على كتاب الله عز وجل فإنما يتجرَّأ على عيسى عليه الصلاة والسلام، وعلى الإنجيل، وعلى التوراة، وعلى سائر الكتب السابقة والمُتقدِّمة، فإن كتاب الله سبحانه وتعالى وحيٌّ من عند الله عز وجل، ذكر الله فيه أخبار الأنبياء والرسل، وأثنى الله خيرًا على أنبيائه ورسله، وأمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يهتدي بهداهم، وأن يقتدي بهم،{أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ }[الأنعام:90].
هكذا يقول لنبينا عليه الصلاة والسلام، أوحى الله عز وجل إلى نبيه القرآن ما أوحاه إلى الأنبياء والرسل السابقين أعني في أصل الدين، وأما في الشرائع قال الله عز وجل:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}[المائدة:48].
قال:{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ}[الشورى:13].
قال:{إِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (7)}[الأحزاب:7]
قال:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا(164)}[النساء:163،164].
فأوحى الله عز وجل لنبيه ما أوحاه لسائر الأنبياء والرسل، فالذي يتجرأ على كتاب الله إنما يتجرأ على سائر كتب الله، والذي يكذب بالقرآن فهو مكذب بسائر الكتب، والذي يتجرأ على كتاب الله عز وجل هو متجرأ على رب العالمين سبحانه وتعالى، وعلى جميع الكتب المنزلة، وعلى جميع المرسلين، فكتاب الله عز وجل لم يأتي مكذباً للكتب السابقة، ولم يأتي مكذباً للأنبياء الماضين، بل جاء مصدقاً لجميع الكتب المُنزَّلَة من عند الله عز وجل، وجاء مُهيمِنًا على جميع الكتب الماضية، وجاء مُصدِّقاً بجميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فالذي يدَّعى اليهودية أو النصرانية وتجرأ على كتاب الله، فإنه من الكاذبين، ومن الأفاكين الظالمين، وإنما يهين نفسه بهذا الفعل المنكر، نبينا عليه الصلاة والسلام كان معظماً للكتب السابقة، وعاملاً بالقرآن لم يكن عاملاً بالكتب السابقة، لكنه كان معظماً للكتب السابقة، جاء عند أبي داود من حديث عبد الله بن عمر أن نفراً من اليهود جاءوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فدعوه، فأجابهم فوضعوا وسادة تحته فجلس النبي عليه الصلاة والسلام عليها، ثم جاءوا برجل وامرأة، فقالوا هذا زنى بهذه فاحكم بينهما، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ائتوني بالتوراة، فجاءوا بالتوراة، فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام الوسادة من تحته، ووضع التوراة على الوسادة تعظيماً لهذا الكتاب من كتب الله عز وجل، ووضع التوراة على الوسادة، وقال عليه الصلاة والسلام: آمنت بك وبمن أنزلك، هكذا تعامل رسول الله عليه الصلاة والسلام مع التوراة، مع أن الله قد اختار له ووصَّف له أعظم الكتب وهو القرآن، وأمره أن يعمل به، وأن يتحاكم إليه، وأن يهتدي بهديه، لكنه عليه الصلاة والسلام لم يكن مُكذِّباً للكتب المُنزَّلة من عند الله عز وجل، بل كان مُصدِّقاً بجميع الكتب، ومُعظِّماً لجميع كتب الله عز وجل، وعاملاً بالقرآن الذي أمره الله عز وجل أن يعمل به، فهذا هو حال نبينا عليه الصلاة والسلام، وذلك هو حال السفهاء من الكافرين والمجرمين، لا عجب أن يسعى بعض الكافرين في إهانة كتاب الله عز وجل، فإن الشيء من معدنه لا يستغرب، لكن العجب أن يحصل نظير ذلك في أوساط المسلمين، كم من مصاحف وجدت في القمائم، وكم من مصاحف وجدت في مجاري النجاسات والعياذ بالله، كم من آيات تُكتب على الجُدران وتُهان، كم من آيات تُكتب في المقابر وتُداس عليها بالأقدام، يسير الناس ويدوسون عليها بالأقدام، وتمشي الحيوانات عليها، كم من مصاحف دُفِنت في أرض بعض المساجد وصار الناس يدوسون في صلاتهم على تلك المصاحف المدفونة في بعض المساجد، هذا منكر عظيم، هذا منكر عظيم كون ذلك الشر يحصل من الكافرين فالشيء من معدنه لا يستغرب، لكن يحصل مثل هذا في أبناء المسلمين، وفي أوساط المسلمين، فإن هذا من المنكر العظيم الذي يجب إنكاره .
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يصرف عنا وعن المسلمين كل سوء أنه مكروه، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجلها وأولها وآخرها وعلانيتها وسرها، اللهم اهدنا إلى الصلاة المُستقيم، واجعلنا هداة مُهتدين غير ضالين ولا مُضلِّين، اللهم ارحمنا برحمتك يا رحم الراحمين، اللهم عليك بأعداء الدين من اليهود والنصارى وسائل الكافرين والمشركين والمُلحِدين، إنك على كل شيء قدير، اللهم من أهان كتابك فأهِنه، اللهم من أهان كتابك فأهِنه، اللهم أهِنه وأهِنه، فإنك على كل شيء قدير، اللهم أهلكه وعجِّل بهلاكه، فإنك على كل شيء قدير، اللهم ارحمنا، واغفر لنا، واهدنا، واهد بنا، واجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، والحمد لله رب العالمين.
فرغها أبو عبد الله زياد المليكي حفظه الله